السيد محمد تقي المدرسي

14

الإمام السجاد (ع) قدوة وأسوة

مالًا وولداً . إطاعته بسبب أمر الله . وهكذا كانت الفتنة الكبرى للناس عند ابتعاث الرسل ، إذ كيف يُطيعون بشراً من أمثالهم ؟ . وقد حكى الله تعالى عنهم بقوله : أَبَشَراً مِنَّا وَاحِداً نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذاً لَفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ « 1 » . ويتساءل البسطاء : لماذا امتحن الله تعالى خلقه بطاعة الأنبياء وطاعة أوصيائهم ، وقد اختارهم من أوساط الناس ؟ . ويمضي المتسائل قائلًا : أَوَلَمْ يكن من الأفضل أن يُزوِّدهم الله سبحانه بقوى خارقة وبأموال وبنين حتى تسهل طاعة الناس لهم ؟ كلا . . لأنه عندئذ كانت تبطل حكمة الابتلاء ، ولم تكن تصبح طاعتهم تطهيراً للنفوس من الكبر ، وبالتالي لم يكن المُطيعون لهم يُزكَّون بذلك إعداداً لدخول الجنة التي هي مأوى عباد الله الخالصين من دنس الشِّرك والكبر . وهكذا يُبَيِّنُ هذه الحكمة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام إذ يقول : « وَلَوْ أَرَادَ اللهُ أَنْ يَخْلُقَ آدَمَ مِنْ نُورٍ يَخْطِفُ الْأَبْصَارَ ضِيَاؤُهُ ، وَيَبْهَرُ الْعُقُولَ رُوَاؤُهُ ، وَطِيبٍ يَأْخُذُ الْأَنْفَاسَ عَرْفُهُ ؛ لَفَعَلَ ، وَلَوْ فَعَلَ لَظَلَّتْ لَهُ الْأَعْنَاقُ خَاضِعَةً ، وَلَخَفَّتِ الْبَلْوَى فِيهِ عَلَى المَلَائِكَةِ ، وَلَكِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ يَبْتَلِي خَلْقَهُ بِبَعْضِ مَا يَجْهَلُونَ أَصْلَهُ ؛ تَمْيِيزاً بِالِاخْتِبَارِ لَهُمْ ، وَنَفْياً لِلاسْتِكْبَارِ عَنْهُمْ ، وَإِبْعَاداً لِلْخُيَلَاءِ مِنْهُمْ » « 2 » . ويضيف الإمام عليه السلام في السياق ذاته قائلًا : « وَلَوْ أَرَادَ اللهُ سُبْحَانَهُ لِأَنْبِيَائِهِ - حَيْثُ بَعَثَهُمْ - أَنْ يَفْتَحَ لَهُمْ كُنُوزَ الذِّهْبَانِ وَمَعَادِنَ الْعِقْيَانِ وَمَغَارِسَ الْجِنَانِ وَأَنْ يَحْشُرَ مَعَهُمْ طُيُورَ السَّمَاءِ وَوُحُوشَ الْأَرَضِينَ لَفَعَلَ ، وَلَوْ فَعَلَ لَسَقَطَ الْبَلَاءُ وَبَطَلَ الْجَزَاءُ وَاضْمَحَلَّتِ الْأَنْبَاءُ ، وَلَمَا وَجَبَ

--> ( 1 ) سورة القمر ، الآية : 24 . ( 2 ) نهج البلاغة ، دار الهجرة للنشر - قم ، ص : 286 - 287 ، الخطبة رقم 192 .